ابن أبي الحديد

182

شرح نهج البلاغة

أولا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل ، حتى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم ، قيل : الطيار في الجنة وذو الجناحين ! ولولا ما نهى الله عنه من تزكيه المرء نفسه ، لذكر ذاكر فضائل جمة ، تعرفها قلوب المؤمنين ، ولا تمجها آذان السامعين . فدع عنك من مالت به الرمية ، فإنا صنائع ربنا ، والناس بعد صنائع لنا ، لم يمنعنا قديم عزنا ، ولا عادي طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا ، فنكحنا وأنكحنا ، فعل الأكفاء ولستم هناك . وإني يكون ذلك كذلك ومنا النبي ومنكم المكذب ، ومنا أسد الله ومنكم أسد الاحلاف ، ومنا سيدا شباب أهل الجنة ، ومنكم صبية النار ، ومنا خير نساء العالمين ، ومنكم حمالة الحطب ، في كثير مما لنا وعليكم ! فإسلامنا ما قد سمع ، وجاهليتنا لا تدفع ، وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا ، وهو قوله سبحانه وتعالى : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) ( 1 ) ، وقوله تعالى : ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) ( 2 ) ، فنحن مرة أولى بالقرابة ، وتارة أولى بالطاعة . ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله فلجوا عليهم ، فان يكن الفلج به فالحق لنا دونكم ، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم . وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت ، وعلى كلهم بغيت ، فإن يكن ذلك كذلك فليست الجناية عليك ، فيكون العذر إليك .

--> ( 1 ) سورة الأنفال 75 . ( 2 ) سورة آل عمران 68 .